DasPress الصحافة

.

Charbel El Ghawi شربل الغاوي

كيف تصبح مشهورًا … تجربة شخصية بقلم شربل الغاوي

كيف تصبح مشهورًا … تجربة شخصية بقلم شربل الغاوي

في زمنٍ صار فيه الضوء الرقمي أشبه بمسرحٍ مفتوحٍ بلا ستارة، يسأل كثيرون السؤال ذاته: كيف يصبح الإنسان مشهورًا؟ الجواب ليس سرًا مخفيًا في خوارزميات معقدة ولا في حيلٍ تقنية يتداولها صانعو المحتوى، بل في تجربةٍ أبسط وأعمق في آنٍ معًا. تجربة تقول إن الشهرة ليست زرًا يُضغط، بل مسارٌ يُبنى. ومن تجربة شخصية يمكن القول إن الطريق إلى الانتشار يبدأ بفهم حقيقة بسيطة: مواقع التواصل الاجتماعي ليست هي الشهرة، بل هي وسيلة فقط. وسيلة قد تساعدك على الوصول، لكنها ليست السبب الحقيقي في أن يعرفك الناس.

المشكلة التي يقع فيها كثيرون أنهم يتعاملون مع المنصات وكأنها مصنعٌ للشهرة، بينما هي في الحقيقة مجرد نافذة. ما يظهر عبر هذه النافذة هو المحتوى الذي تقدّمه. إن كان المحتوى ضعيفًا فلن تصنعه الخوارزميات قويًا، وإن كان فارغًا فلن تملأه الأزرار والمتابعات. لذلك، فإن العنصر الأهم في أي رحلة نحو الانتشار هو ما تقدّمه للناس، لا أين تنشره. يمكنك أن تكون حاضرًا في كل المنصات ومع ذلك لا يراك أحد، ويمكنك أن تكون في منصة واحدة فقط ويعرفك الجميع، إذا كان ما تقدمه مختلفًا ويستحق أن يُشاهَد.

الخطوة الأولى في هذا الطريق هي البحث عن محتوى لا يقدّمه كثيرون. ليس بالضرورة أن يكون شيئًا لم يفعله أحد من قبل، لكن يكفي أن يكون قليل الحضور. أما إن استطعت أن تجد مساحة فارغة تمامًا، فهذه فرصة نادرة. وإذا لم تجد تلك المساحة، فحاول أن تجعل حضورك مختلفًا داخلها. التميّز هنا ليس شعارًا، بل شرط بقاء. فالعالم الرقمي مزدحم إلى درجة أن النسخ المكررة تختفي بسرعة، بينما الصوت المختلف يبقى.

لكن التميّز وحده لا يكفي. لا يمكن أن تبني محتوى قويًا في مجال لا تفهمه. لذلك، ابحث عن موضوع تفهمه حقًا، أو على الأقل تشعر أنك قادر على فهمه بعمق. ثم ادرسه من جميع الجهات. لا تكتفِ بمعرفة سطحه، بل ادخل إلى تفاصيله، إلى تاريخه، إلى زواياه الصغيرة التي قد لا ينتبه لها الآخرون. الفكرة هنا أن يصبح هذا المحتوى بالنسبة لك عالمًا مقفلًا من جميع النواحي، تعرفه جيدًا ولا يترك لك فجوات من الجهل. عندما تصل إلى هذه المرحلة، تبدأ العمل. لأن المعرفة العميقة هي ما يعطي المحتوى قوته وثقله.

ومع ذلك، فإن الطريق لا يكون دائمًا مستقيمًا. قد تقدّم محتوى جيدًا ولا تصل إلى الهدف الذي تريده. هنا لا يعني الأمر أن تتوقف، بل أن تعيد النظر. ربما يحتاج المحتوى إلى تغيير، وربما إلى تجديد في الطريقة أو الأسلوب أو الشكل. القدرة على تعديل المسار جزء أساسي من النجاح. كثير من التجارب الرقمية الناجحة لم تولد كاملة منذ البداية، بل تطورت مع الوقت، ومع التجربة، ومع الأخطاء أيضًا.

أما التعليقات، فهي عالم آخر يجب التعامل معه بوعي. ليس كل من يكتب تعليقًا يريد النقاش. هناك أشخاص يكتبون فقط للتحطيم، عن قصد وبنية واضحة. لذلك، لا تجعل التعليقات ميزانك النفسي. تجاهل ما يُكتب لإيذائك، ولا تمنح تلك الكلمات سلطة على عملك. التعليق الذي فيه شتيمة لا يستحق البقاء، واحذفه بلا تردد. أما التعليق المحترم، حتى لو كان استفزازيًا أو مخالفًا لرأيك، فيمكن الرد عليه بذكاء وهدوء. الرد الذكي أحيانًا أقوى من عشرات المنشورات.

لكن في المقابل، لا تترك التعليقات التي تسيء إليك أو تهاجمك بلا ضبط. ليس لأنك تخاف النقد، بل لأن التعليقات ليست مجرد كلمات عابرة. الناس تقرأها، وكثيرون يبنون رأيهم عن المحتوى من خلالها. في أحيان كثيرة تصبح التعليقات أقوى تأثيرًا من المنشور نفسه. لذلك فإن إدارة هذا الفضاء جزء من إدارة صورتك. وإذا شعرت أنك لا تتحمل هذا الضغط، فليس عيبًا أن تغلق التعليقات تمامًا. أحيانًا يكون الصمت في التعليقات أفضل من الفوضى.

ومن المهم أيضًا أن يدرك صانع المحتوى حقيقة قد تبدو صادمة للبعض: الشهرة على مواقع التواصل ليست شهرة عامة بالضرورة. قد يكون لديك مئات الآلاف من المتابعين، ومع ذلك هناك أناس كثر لا يعرفونك إطلاقًا. العالم الرقمي مليء بالدوائر الصغيرة التي لا تتقاطع دائمًا. لذلك لا تبالغ في تصور حجم الشهرة، ولا تجعل الأرقام تخدعك.

وهنا يظهر الفرق الكبير بين أن تكون مشهورًا، وبين أن تكون معروفًا في مساحة محددة. قد تكون اسمًا معروفًا داخل مجال معين أو محتوى معين أو جمهور معين، وهذا لا يعني أنك شخصية عامة يعرفها الجميع. كثيرون يخلطون بين الأمرين. الشهرة الواسعة شيء، والانتشار داخل دائرة محددة شيء آخر.

كما أن هناك نوعًا من الشهرة مرتبطًا بالمحتوى فقط. فإذا كان المحتوى بعيدًا عن المجتمع المدني أو عن الحياة العامة للناس، فإن تلك الشهرة غالبًا ما تكون مرتبطة باستمرار المحتوى نفسه. أي أنها قد تنتهي عندما يتوقف. لذلك من المهم أن يفهم صانع المحتوى طبيعة المجال الذي يعمل فيه، وحدود تأثيره، وعمر الشهرة التي يمكن أن يمنحها له.

في النهاية، ليست الشهرة هدفًا بحد ذاتها، بل نتيجة. نتيجة محتوى صادق، وفكرة واضحة، وعمل مستمر، وقدرة على التميّز وسط ضجيج هائل. مواقع التواصل قد تفتح الباب، لكن ما يجعلك تعبر منه هو ما تحمله معك. المحتوى أولًا، الفكرة ثانيًا، والاستمرار ثالثًا. وما عدا ذلك مجرد أدوات.

شربل الغاوي

مخرج وصحافي وناقد سينمائي