DasPress الصحافة

.

Charbel El Ghawi شربل الغاوي

لبنان… بلدٌ تعلّم أن يبكي بصمت – شربل الغاوي

لبنان… بلدٌ تعلّم أن يبكي بصمت – شربل الغاوي

في لبنان لا تبدأ الحكايات من الكلمات، بل من الوجع الذي يسكن خلفها. هذا البلد الذي كان يومًا أغنيةً مفتوحة على البحر، صار اليوم يشبه رسالةً طويلة كتبها التعب على وجوه الناس. بلد الفن الذي علّم الشرق كيف يغنّي، وبلد الحب الذي كانت شرفاته تعرف أسماء العشاق، وبلد الأحلام الذي كان البحر فيه نافذةً إلى الغد… صار اليوم يمشي مثقلًا بما حملته السنوات من خيبات وحنين.

هناك بيوتٌ في لبنان لم تعد بيوتًا، بل ذاكرةٌ واقفة بين حجارتها. جدران كانت تسمع ضحكات الأطفال، وصوت الأم وهي تنادي أبناءها إلى المائدة، وصوت الأب حين يعود في المساء متعبًا لكنه مطمئن لأن البيت ما زال يضيء بوجودهم. تلك البيوت لم تكن مجرد حجر، كانت عمرًا كاملًا يُعاش بين غرفةٍ وغرفة، وكانت أيامًا عادية لم نكن نعرف أنها ستصبح يومًا أعزّ ما نملك.

وحين يُجبر الناس على ترك بيوتهم، لا يغادرونها حقًا… بل يتركون أجزاءً من أرواحهم معلّقة على الجدران. يخرجون وهم يلتفتون خلفهم مرةً بعد مرة، كأنهم يعتذرون من البيت لأنه سيبقى وحيدًا. يتركون صور الأعراس على الرفوف، ودفاتر الأطفال على الطاولة، وكوب القهوة الذي لم يبرد بعد. يتركون أشياء صغيرة لا يعرفها أحد، لكنها كانت تعني لهم حياةً كاملة.

هناك أمّ تغلق الباب ببطء لأن خلفه سنواتٍ من قلبها. هناك طفلٌ يسأل متى سنعود، لأنه لا يفهم كيف يمكن للإنسان أن يترك غرفته وألعابه ونافذته التي كان يراقب منها المطر. وهناك أب يقف لحظةً طويلة أمام العتبة، كأنه يحاول أن يحفظ شكل البيت في ذاكرته خوفًا من أن يضيع.

وفي طرقات لبنان قصصٌ أخرى لا تُكتب في الأخبار. وجوهٌ تمشي وهي تحمل خوفها بصمت، حقائب صغيرة تحمل ما خفّ من الأشياء، لكنها لا تستطيع أن تحمل ما ثقل من الذكريات. هناك شبابٌ كانوا يحلمون بالحياة، فإذا بهم يتعلمون فجأة كيف يحملون الفقد. وهناك أمهاتٌ ينتظرن أبناءً تأخروا كثيرًا، وآباءٌ يخفون دموعهم لأن البيت يحتاج إلى كتفٍ قوي ولو كان القلب مكسورًا.

حتى المقاهي القديمة صارت تعرف الغياب. الكراسي التي كانت تمتلئ بالضحك صارت فارغة، والطرقات التي كانت تعجّ بالحياة تمشي فيها الآن ذكرياتٌ تبحث عن أصحابها. في لبنان كل زاوية تحمل اسمًا، وكل حجر يعرف حكاية، وكل شرفة تتذكّر شخصًا وقف عليها يومًا يحلم بغدٍ أبسط.

والبحر… ذلك البحر الذي كان شاهدًا على الأفراح، صار اليوم يسمع همسات الوداع. كم من شخصٍ وقف أمامه يحمل وطنًا كاملًا في قلبه ولا يعرف كيف يتركه. كم من عينٍ نظرت إلى الأفق وهي تسأل إن كان هذا البلد سيستريح يومًا من تعبه الطويل.

ومع ذلك، يبقى لبنان سرًا لا يُكسر بسهولة. لأن هذا البلد، رغم كل ما فيه من وجع، ما زال يملك قلوبًا تعرف كيف تحب. قد تسقط الحجارة، وقد تُطفأ الأنوار، وقد يرحل الناس بعيدًا… لكن الذكريات تبقى هناك، بين الجدران التي شهدت حياتهم، وبين الأزقة التي حفظت أصواتهم.

في لبنان لا يضيع البيت تمامًا، لأنه يبقى حيًا في قلب من عاش فيه. ولا تموت الحكايات، لأنها تعود كل ليلة لتطرق أبواب الذاكرة.

ولهذا، حين يبكي اللبناني على بيته أو على مدينته أو على أيامه، فهو لا يبكي ضعفًا… بل يبكي لأن قلبه ما زال واسعًا بما يكفي ليحب هذا الوطن رغم كل شيء.

شربل الغاوي

مخرج وصحافي وناقد سينمائي