DasPress الصحافة

.

Charbel El Ghawi شربل الغاوي

الذكاء الاصطناعي يقترب من المعطف الأبيض – شربل الغاوي

الذكاء الاصطناعي يقترب من المعطف الأبيض – شربل الغاوي

لم يعد السؤال المطروح اليوم أيّ المهن الصغيرة ستختفي، بل أيّ المهن الكبيرة ستُجبر على تغيير جلدها من الداخل. لسنوات طويلة، قيل إن الذكاء الاصطناعي سيبدأ بالأعمال الهامشية، بالوظائف البسيطة، بما يمكن استبداله بسهولة ومن دون ضجيج. غير أن ما يحدث اليوم يقلب هذه القاعدة رأسًا على عقب. التحوّل الحقيقي أصاب قلب المهن التي كانت تُعدّ عصيّة على المساس، وفي مقدّمها مهنة الطب.

حين طُرحت فكرة أن الروبوتات قد تُجري عمليات جراحية، لم يكن ذلك مجرّد استفزاز إعلامي أو خيال علمي، بل فتحًا لسؤال أعمق: أين تقف حدود الإنسان حين تتعلّم الآلة؟ الجراحة، التي شكّلت لعقود ذروة المهارة البشرية، حيث القرار واليد والخبرة مصير واحد، دخلت فجأة مجال الخوارزميات. أنظمة تتعلّم من ملايين الحالات، تقارن وتستنتج في زمن لا يكفي الطبيب فيه إلا لبناء خبرته الأولى. المسألة لم تعد اختفاء الطبيب، بل فقدان احتكاره للتفوّق.

في المقابل، لم تأتِ الرؤية الأخرى صدامية، بل أكثر هدوءًا وأوسع أفقًا. المعرفة الطبية نفسها لم تعد حكرًا على أصحاب المعاطف البيضاء. التشخيص، قراءة الصور، ربط الأعراض، وتحليل البيانات أصبحت مهام تؤدَّى بسرعة ودقّة تضع النموذج التقليدي موضع تساؤل. هنا لا ينهار الطب، بل يُعاد توزيعه. المعرفة تنتشر، والدور يتغيّر، والسلطة تتحرّك من المركز إلى الأطراف.

أما الواقع الحالي، فيقف بين النبوءة والإنكار. أدوات الذكاء الاصطناعي الطبية لا تدّعي أنها أطباء، ولا تحلّ مكان القرار السريري، لكنها اقتحمت مساحة كانت حتى الأمس القريب مغلقة. شرح، تحليل، تعليم، دعم قرار، وتفكيك لغة طبية معقّدة إلى فهم متاح. هذا ليس طبًا آليًا، لكنه طب لم يعد ممكنًا من دونه.

المفارقة أن مهنة الطب، التي طالما وُصفت بأنها “مهنة لا تموت”، بدأت تتقلّص لا في وجودها بل في دورها. الطبيب لم يعد المصدر الوحيد للمعرفة، ولا المرجع المطلق، ولا صاحب القرار الأوحد. دوره يتحوّل من مركز المنظومة إلى ضميرها، من سلطة معرفية إلى ضمانة إنسانية، من يدٍ تقرّر وحدها إلى عقل يراقب ويوجّه ويمنح القرار بعده الأخلاقي.

ما يجري ليس إلغاءً للطب، بل كسرٌ لصورته القديمة. الذكاء الاصطناعي لا يعترف بالهيبة ولا بالتاريخ، بل بالكفاءة وحدها. ومن يرفض الاعتراف بأن المهنة تتغيّر، سيجد نفسه خارجها قبل أن تختفي. في هذا العالم الجديد، لا تموت المهن فجأة، بل تذوب ببطء، تعيد تشكيل نفسها، ومن يرفض التحوّل، هو أوّل من يُستبدل.

شربل الغاوي

مخرج وصحافي وناقد سينمائي