
مايا زغيب : التحرش الرقمي.. الخطر الصامت الذي يهدد الأفراد والمجتمعات
مايا زغيب، خبيرة توعية حول الأمان الرقمي
بقلم الإعلامي شربل الغاوي، رئيس تحرير موقع الصحافة
في عصر تسيطر فيه التكنولوجيا على مختلف جوانب الحياة، أصبح التحرش الرقمي ظاهرة متزايدة تهدد الأفراد والمجتمعات على حد سواء. من خلف الشاشات، يمارس المتحرشون أفعالهم دون قيود زمانية أو مكانية، مخلفين آثارًا نفسية واجتماعية قد تمتد لسنوات. لمناقشة هذه الظاهرة، كان لنا هذا الحوار مع مايا زغيب، الخبيرة في العالم الرقمي والتسويق الإلكتروني، حيث سلطت الضوء على أبعاد التحرش الرقمي، تداعياته، وسبل مواجهته.
بين التحرش الرقمي والتقليدي: أيهما أشد خطرًا؟
ترى مايا زغيب أن الفارق الأساسي بين التحرش التقليدي والرقمي يكمن في نطاق التأثير وآليات الانتشار. فبينما يقتصر التحرش التقليدي على لقاءات مباشرة قد يكون فيها الضحية على دراية بالمتحرش، يمتلك التحرش الرقمي قدرة اختراقية هائلة، حيث يمكن لأي شخص أن يكون ضحية لمجهول، وفي أي وقت.
وتوضح قائلة
التحرش الرقمي لا يقتصر على الإساءات اللفظية، بل يتطور ليشمل التهديدات، التنمر الجماعي، المطاردة الإلكترونية، وحتى نشر المحتوى المسيء بغرض التشهير. خطورته تكمن في انتشاره السريع واستحالة محوه بالكامل، مما يجعل الضحية تعيش في دوامة من القلق والخوف.
من هم الأكثر عرضة للتحرش الرقمي؟
تؤكد زغيب أن بعض الفئات أكثر عرضة لهذا النوع من الأذى، أبرزهم
النساء، حيث يُستخدَم الفضاء الرقمي كأداة لابتزازهن أو مضايقتهن.
الأطفال والمراهقون، بسبب قلة خبرتهم في التعامل مع المخاطر الإلكترونية.
الشخصيات العامة والنشطاء، الذين قد يتعرضون لحملات تشويه أو تهديدات مباشرة.
الصحافيون والإعلاميون، خاصة عند تغطية قضايا حساسة.
الأقليات والمجتمعات المهمشة، الذين يتعرضون لهجمات رقمية بسبب انتماءاتهم.
أما عن وسائل الحماية، فتشدد على ضرورة
تعزيز الوعي الرقمي ليتمكن الأفراد من حماية أنفسهم.
إعدادات الخصوصية لمنع وصول الغرباء إلى المعلومات الشخصية.
الرقابة الأبوية لضمان أمان الأطفال أثناء تصفحهم الإنترنت.
متى يصبح النقد نوعًا من التحرش؟
يفصل النقد عن التحرش شعرة دقيقة، ويعتمد الأمر على السياق والطريقة. تشرح مايا زغيب قائلة
حرية التعبير لا تعني الإهانة أو التشهير. عندما يتحول النقد إلى تهديد، أو يحرض على التنمر الجماعي، أو يسبب ضررًا نفسيًا للضحية، يصبح بلا شك شكلاً من أشكال التحرش الرقمي.
وتحذر من أن هذه الظاهرة يمكن أن تدفع الضحايا إلى الانعزال، التوقف عن العمل، أو حتى الدخول في أزمات نفسية حادة.
هل يجب تدريس الأمان الرقمي في المدارس؟
بحزم، تؤكد مايا زغيب ضرورة إدراج التوعية الرقمية في المناهج التعليمية، مشيرة إلى أن الأطفال والمراهقين يقضون معظم وقتهم على الإنترنت دون إدراك كامل للمخاطر. وتضيف:
التعليم لا يقتصر فقط على الرياضيات والعلوم، بل يجب أن يشمل كيفية التعامل مع العالم الرقمي بوعي ومسؤولية. نحن بحاجة إلى جيل قادر على حماية نفسه من المخاطر الرقمية المتزايدة.
كيف يعرف الأهل أن طفلهم ضحية تحرش رقمي؟
ترى زغيب أن هناك علامات واضحة قد تشير إلى تعرض الطفل للتحرش عبر الإنترنت، ومنها
تغيرات في السلوك أو الحالة النفسية دون سبب واضح.
الابتعاد المفاجئ عن الهاتف أو الكمبيوتر رغم اعتياده على استخدامهما.
الانعزال الاجتماعي وفقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة.
تقلبات مزاجية حادة أو نوبات غضب غير مبررة.
في هذه الحالات، تنصح الأهل بفتح حوار هادئ مع الطفل، والاستعانة بخبراء إذا لزم الأمر.
الرقابة الأبوية: بين الحماية والخصوصية
بين الرقابة والخصوصية خيط رفيع يجب ألا يُقطع. توضح مايا زغيب أن الرقابة الأبوية ضرورية لحماية الأطفال، لكنها يجب ألا تتحول إلى تجسس غير مبرر.
وتقترح نهجًا تدريجيًا يبدأ بمراقبة التطبيقات التي يستخدمها الطفل، ثم توجيهه لاستخدام الإنترنت بمسؤولية. وتضيف:
في سن ١٣، عندما يُسمح للأطفال بإنشاء حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي، يجب أن يكون الأهل على دراية بنشاطهم، لكن بأسلوب لا يشعرهم بالقيود الصارمة. وعند بلوغ سن ١٧، يمكن منحهم مزيدًا من الاستقلالية، مع استمرار التوعية بالمخاطر المحتملة.
الوعي هو السلاح الأقوى
تختم مايا زغيب حديثها بالتأكيد على أن التصدي للتحرش الرقمي لا يمكن أن يكون مسؤولية فردية فقط، بل هو مسؤولية مجتمعية تتطلب تكاتف الجميع. وتقول:
المتحرشون يستغلون قلة الوعي والخوف من الفضيحة، لذا فإن أفضل وسيلة لمواجهتهم هي التثقيف، الإبلاغ، وعدم السكوت عن أي انتهاك. التكنولوجيا تتطور، لكن وعينا يجب أن يسبقها دائمًا.
ختامًا… الإنترنت مساحة مشتركة، فلنجعلها أكثر أمانًا للجميع.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment