
عندما تتحوّل القوّة إلى نقمة: عصبية المرأة وعنادها… الهدم الذاتي بصمت
بقلم: سندريللا مارون – رئيسة قسم التنمية البشرية
رئيس التحرير: شربل الغاوي – ناقد سينمائي
في داخل كل امرأة طاقة هائلة، تنبع من مزيج خفيّ من الصبر والتركيز والإصرار. تمتلك القدرة على احتمال الألم، الجسدي منه والنفسي، وعلى النهوض رغم الانكسارات، والمضيّ نحو حيث ترى ذاتها، حتى وإن تعثّرت بها الخطى.
هذه الطاقة ليست فقط محرّكًا لأحلامها وطموحاتها، بل هي أيضًا ما يميّزها عن غيرها، إذ تتقاطع فيها العاطفة العميقة مع الصلابة، والحدس مع الذكاء الفطري. لكنها، حين تُساء إدارتها، قد تتحوّل من نعمة إلى نقمة، فتُصبح أداة هدم، لا لمن حولها فقط، بل لذاتها أولاً.
العصبية… حين يغدو الانفعال قيدًا
كثيرات هنّ النساء اللواتي يعانين من العصبية الزائدة، سواء بفعل طبع فُطرن عليه، أو نتيجة تجارب مرّت وتركت في النفس ندوبًا لم تُشفَ. وقد تكون هذه العصبية مجرّد غطاء لخوفٍ دفين، أو درعًا تتوارى خلفه المرأة خشية الخذلان.
حين تفقد المرأة السيطرة على انفعالاتها، تُصبح قنبلة موقوتة في محيطها. تؤثّر سلبًا على تربية أطفالها، تتوتّر علاقتها بشريك حياتها، وتُضعف قدرتها على التواصل في بيئة العمل. الأخطر من ذلك، أن هذه العصبية تستنزفها من الداخل، وتُشعرها بالذنب بعد كل انفجار، ما يُحدث شرخًا في ثقتها بنفسها.
كم من امرأة ندمت على كلمة قالتها في لحظة انفعال، أو على تصرّف دفع من يحبّها إلى التراجع خطوة، لا لأنّه لا يُحبّها، بل لأنه لم يعُد يعرف كيف يتعامل مع براكينها العاطفية.
العناد… درع زائف يقود إلى الوحدة
أما العناد، فغالبًا ما تراه المرأة سلاحًا للبقاء، أو وسيلة لحماية نفسها من الانكسار. لكنها لا تدري أن العناد المفرط ليس قوّة، بل عجز عن التفاهم. إنه جدار ترتفع حجاراته واحدة تلو الأخرى، حتى تجد نفسها محاصرة بوحدتها، غير قادرة على السماع أو الإصغاء.
العنيدة تُغلق أذنيها عمّن يحاول النصح أو المساندة، حتى إن كان حبًّا خالصًا. تظنّ أن تمسّكها برأيها يُثبت ذاتها، بينما في الحقيقة، ما تفعله هو تقويض لجسور التواصل مع من حولها. فهي تُخفي هشاشتها خلف جمودٍ لا يُجدي، وعنادٍ لا يحمي.
الطفولة والبيئة… الجذور الصامتة
كمدربة تنمية بشرية، كثيرًا ما أجد أن العصبية والعناد لدى النساء هما امتداد لمرحلة الطفولة. قد تكون المرأة نشأت في بيئة حرمتها من الأمان، أو منعتها من التعبير، فكبرت وهي تظنّ أن الصوت المرتفع والانفعال هما سبيل الحماية الوحيد.
الكبت العاطفي كذلك، يترك في داخلها تراكمات من المشاعر غير المعالَجة، والتي تُفجّرها لاحقًا في شكل غضب غير مبرّر. أما الخوف من فقدان السيطرة، فهو ما يدفعها إلى التشبّث بأي شيء، ولو كان عنادًا يودي بها إلى التهلكة.
ولا ننسى ضغط الحياة اليومية: من أعباء الأمومة إلى مسؤوليات العمل، إلى العلاقات المتشابكة، التي تضع المرأة في حال تأهّب دائم، فتتحوّل العصبية إلى ردّ فعل تلقائي، والعناد إلى عادة يصعب كسرها.
الخسائر على كلّ الأصعدة
هذه السلوكيات لا تمرّ دون أثر. ففي الحياة الزوجية، تتقلّص مساحة الحوار، ويشعر الشريك بأنه مرفوض، مغيَّب، لا يُؤخذ برأيه. فتذبل العلاقة، ويتحوّل البيت إلى ساحة نزاع، لا مأوى للراحة.
أما الأطفال، فهم أكثر من يتأثر. ينشأون إمّا خائفين من الانفجار المفاجئ، أو متمردين بطريقة لا واعية. يكذبون ليتفادوا الغضب، وينسجون شخصية هشّة، لا تعرف كيف تعبّر عن ذاتها دون قلق.
في العلاقات الاجتماعية، تتراجع مكانة المرأة في عيون الآخرين. يُنظر إليها على أنها متصلّبة، غير متعاونة، صعبة المراس. فتُفضّل العزلة على المواجهة.
والأخطر، أن كثرة التشنّج والانفعال تترك آثارًا صحية خطيرة: من ضغط الدم، إلى مشاكل القلب، إلى توتر نفسي مستمر قد ينتهي بالاكتئاب.
من الانفعال إلى الوعي… التحوّل ممكن
لكن، ورغم كل ذلك، تبقى البداية بيد المرأة. الاعتراف بالمشكلة هو الخطوة الأولى نحو التحوّل. حين تعي المرأة أن قوتها ليست في الصوت العالي ولا في التمسّك بالرأي، بل في الصمت عند اللزوم، وفي التفكير قبل الردّ، تكون قد بدأت رحلة النضوج الحقيقي.
الحوار، لا العناد، هو ما يصنع الاحترام. وضبط النفس، لا الانفعال، هو ما يحفظ الكرامة. والتغيير، وإن بدا صعبًا، ليس مستحيلاً.
فالتصالح مع الذات، وطلب المساعدة إن لزم، لا يُنقص من شأن المرأة، بل يدلّ على وعيها ورغبتها في التطور.
رسالة لكل امرأة تقرأ هذا المقال
لقد رأيتُ نساءً رائعات، يملكن من الذكاء ما يكفي ليُدرن مؤسسات، ومن الحب ما يكفي ليُربّين أجيالًا، لكنهن وقعن في فخ الانفعال والعناد، ففقدن بوصلتهن.
كونك امرأة تسعين للتغيير، يعني أنك تملكين النضج لتتجاوزي ماضيك، وتعيدي بناء ذاتك بوعي واتزان.
القوة ليست في السيطرة على الآخرين، بل في القدرة على إدارة النفس.
لستِ ضحية مشاعرك، ولا أسيرة طفولتك.
أنتِ امرأة قادرة على التحوّل من صلبة وعنيفة إلى هادئة وحازمة.
من امرأة متوترة إلى أخرى ملهمة.
القوة الحقيقية هي تلك التي تُبنى في الصمت، وتنضج في الحكمة، وتزهر في الوعي.
بقلم: سندريللا مارون – رئيسة قسم التنمية البشرية
رئيس التحرير: شربل الغاوي – ناقد سينمائي
Leave a comment