
كلود لبّس : التنمّر الإلكتروني بين الدوافع النفسية والتأثيرات الاجتماعية وسبل المواجهة
الحوار أجراه الإعلامي شربل الغاوي، رئيس تحرير موقع الصحافة، مع كلود لبّس، مستشارة ومدربة في التواصل والعلاقات الإنسانية
التنمر الإلكتروني: وجه مظلم للعالم الرقمي
في عصرٍ باتت فيه التكنولوجيا تسير بنا بسرعة الضوء، وتحكم علاقاتنا الاجتماعية عبر شاشات متوهّجة، لم يعد التنمر حكرًا على المدارس أو الأزقة الخلفية، بل وجد في العالم الافتراضي بيئة خصبة لينمو ويتغلغل في أدق تفاصيل الحياة اليومية. إنه فعل عدائي متعمد، ينطلق من دوافع نفسية معقدة، ويتسلل عبر الكلمات والصور والرسائل المشفرة، ليترك أثرًا غائرًا في النفس لا يراه أحد إلا الضحية.
لكن من هو المتنمر؟ هل هو مجرد شخص اختار القسوة أسلوبًا؟ أم أنه ضحية سابقة وجدت في هذا السلوك وسيلة للتعبير عن ألم دفين؟
الدوافع النفسية للتنمر الإلكتروني
التنمر الإلكتروني ليس فعلًا عابرًا، بل هو انعكاس لحالة نفسية واجتماعية دفينة. البعض يلجأ إليه كوسيلة لجذب الانتباه، بحثًا عن شعور زائف بالقوة، بينما يراه آخرون أداةً للانتماء إلى مجموعة، حيث يصبح الاعتداء على الآخرين طقسًا غير معلن لتعزيز الروابط بينهم. في المقابل، هناك من يجد في السيطرة والتحكم متعةً خفية، فيمارس التنمر لإثبات هيمنته، متجاهلًا الأذى الذي قد يلحق بالآخرين.
المفارقة أن بعض المتنمرين لا يدركون تمامًا خطورة أفعالهم. فهم يرونها مجرد مزاح، أو ربما وسيلة للترفيه، غير مكترثين بحجم الألم الذي قد يصيب ضحاياهم.
كيف تتكون شخصية المتنمر؟
الشخصية المتنمرة لا تُخلق بين ليلة وضحاها، بل تتشكل تدريجيًا في بيئة تغذي هذا السلوك. فالطفل الذي ينشأ في أجواء يسودها العنف اللفظي أو الجسدي، قد يتبنى هذا النمط من التعامل ظنًّا منه أنه السبيل الوحيد للبقاء. كما أن الإهمال العاطفي أو الغياب المتكرر للأهل، سواء بسبب العمل أو ظروف الحياة المختلفة، قد يدفع الطفل للبحث عن وسيلة للفت الانتباه، حتى لو كانت عبر سلوكيات عدوانية.
المقارنات المستمرة بين الأطفال، والتوبيخ القاسي، والتقليل من شأنهم، كلها عوامل تزرع في نفوسهم شعورًا بالدونية، مما قد يدفع بعضهم للانتقام من محيطهم بطريقة غير واعية. كذلك، فإن الطفل الذي يشعر بأنه غير محبوب أو مهمّش قد يلجأ إلى التنمر كوسيلة لتعويض هذا النقص، في محاولةٍ غير واعية لجذب الانتباه.
لكن رغم ذلك، ليس كل طفل تعرّض لهذه الظروف سيصبح متنمرًا، فالأمر يعتمد على عوامل أخرى، مثل التوجيه الأسري والتأثير المجتمعي.
وسائل التواصل الاجتماعي: المسرح الخفي للتنمر
لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصة للتواصل، بل تحولت إلى ساحة يتخذها المتنمرون مسرحًا لممارساتهم. فمن خلف الشاشات، يشعر المتنمر بحرية مطلقة، محميًا بقناعٍ من السرية والإفلات من العقاب. فهو لا يرى تأثير كلماته القاسية على الضحية، ولا يسمع صوت الألم الذي يتركه خلفه، مما يجعله أكثر جرأة في تكرار أفعاله.
الانتشار السريع للمحتوى المسيء عبر الإنترنت يجعل من التنمر الإلكتروني أكثر فتكًا، حيث يمكن لتعليق واحد أو صورة محرجة أن تتداول خلال لحظات، مما يضاعف الأذى النفسي للضحية، ويجعلها تعيش في دوامة من القلق والخوف المستمر.
هل يشعر المتنمر بالذنب؟
قد يمرّ المتنمر بلحظات من الشعور بالذنب، لكنه غالبًا لا يتوقف عندها طويلًا، إذ إن غياب الرادع القوي، وافتقاره إلى بدائل صحية للتعبير عن مشاعره، يجعله يعود إلى نفس السلوك مرارًا. إن كسر هذه الحلقة المفرغة يتطلب رعاية خاصة، تركز على فهم أسباب سلوكه، وتعليمه طرقًا بديلة للتواصل مع الآخرين.
التأثير النفسي والاجتماعي على المتنمر نفسه
التنمر ليس مجرد اعتداء على الآخرين، بل هو أيضًا فعل يحمل عواقب وخيمة على صاحبه. فمع مرور الوقت، يجد المتنمر نفسه معزولًا، منبوذًا من المجتمع، حيث يفقد ثقة الآخرين به، وتتلاشى علاقاته الاجتماعية. وفي بعض الحالات، قد يدفعه الشعور بالفراغ والرفض إلى الإدمان أو حتى التفكير في الانتحار.
كيف يمكن للمجتمع مساعدة المتنمرين؟
المجتمع يحمل مسؤولية كبيرة في تقويم سلوك المتنمرين، ليس عبر العقاب وحده، بل من خلال الفهم العميق لأسباب سلوكهم. يجب أن نكون قدوة حسنة، فنبتعد عن تعزيز مفاهيم السيطرة والتسلط، ونعمل على تقديم الدعم النفسي والتوجيه السليم، ومساعدة المتنمر في إعادة بناء علاقاته على أسس سليمة.
دور الأهل في الوقاية من التنمر الإلكتروني
الأهل هم الدرع الأول في حماية أبنائهم من التحول إلى متنمرين، وذلك من خلال توفير بيئة آمنة، يغمرها الحب والتفاهم. حضورهم العاطفي في حياة أطفالهم لا يقل أهمية عن حضورهم المادي، فالأطفال الذين يشعرون بأنهم مسموعون ومحبوبون، أقل عرضة للجوء إلى العنف كوسيلة للتعبير عن مشاعرهم.
على الأهل أيضًا أن يكونوا قدوة حسنة، فالأطفال يتعلمون من تصرفات والديهم أكثر مما يتعلمون من نصائحهم. كما أن تعزيز ثقافة الحوار والاحترام المتبادل داخل الأسرة يساهم في غرس قيم التسامح والتعاطف لدى الأطفال.
التأثير النفسي للتنمر الإلكتروني على الضحية
التنمر الإلكتروني يترك ندوبًا نفسية قد لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تظل محفورة في النفس لسنوات. يعاني الضحايا من العزلة والخوف، وقد تتدهور ثقتهم بأنفسهم، مما يؤثر على أدائهم الدراسي والمهني لاحقًا. البعض قد يفقد شغفه بالحياة، ويعاني من اضطرابات النوم والأكل، وقد يصل الأمر إلى التفكير في الانتحار، خاصة مع غياب الدعم المناسب.
كيف يمكن للضحايا التعامل مع الصدمة؟
المساندة النفسية والعاطفية للضحايا أمر أساسي. يجب أن يشعروا بأنهم ليسوا وحدهم، وأن هناك من يستمع إليهم ويدعمهم. كما أن توعيتهم بحقوقهم، وتعليمهم كيفية التعامل مع الإساءة الإلكترونية، يُمكن أن يساعدهم في استعادة ثقتهم بأنفسهم.
هل يمكن أن يصبح الضحية متنمرًا؟
ليس كل من تعرّض للتنمر يتحول إلى متنمر، لكن البعض قد يجد في هذا السلوك وسيلة للانتقام، أو لتعويض مشاعر النقص التي عاشها. وهنا تأتي أهمية التدخل المبكر، لتوجيه الضحية نحو طرق صحية للتعبير عن غضبه، دون أن يصبح جزءًا من دائرة العنف.
الخاتمة
التنمر الإلكتروني ليس مجرد مشكلة فردية، بل هو انعكاس لخلل في التوازن الاجتماعي والنفسي للأفراد والمجتمعات. مواجهته تتطلب وعيًا مشتركًا، يبدأ من الأسرة، ويمتد إلى المؤسسات التربوية والإعلامية، وحتى المنصات الرقمية نفسها. إن بناء بيئة إلكترونية أكثر أمانًا، يحتاج منا جميعًا أن نكون جزءًا من الحل، فنرسّخ قيم الاحترام والتسامح، ونقف إلى جانب الضحايا، ونعمل على إعادة تأهيل المتنمرين، ليصبحوا أفرادًا أكثر توازنًا في المجتمع.
الناقد السينمائي شربل الغاوي.
Leave a comment