DasPress الصحافة

.

Charbel El Ghawi شربل الغاوي

د. راما الخوري : هل يمكن الشفاء من أمراض المناعة الذاتية، أم أن السيطرة عليها هي الحل؟

د. راما الخوري

د. راما الخوري : هل يمكن الشفاء من أمراض المناعة الذاتية، أم أن السيطرة عليها هي الحل؟

حوار مع الدكتورة راما الخوري، متخصصة في أمراض المفاصل والروماتيزم وأمراض المناعة الذاتية

حاورها الإعلامي شربل الغاوي، رئيس تحرير موقع الصحافة

التشخيص المبكر: مفتاح الوقاية من التشوهات وحماية الأجهزة الحيوية

يُشكّل التشخيص المبكر حجر الأساس في علاج أمراض المفاصل والروماتيزم، فهو ليس مجرد خطوة علاجية، بل هو درعٌ واقٍ يحول دون تفاقم المرض ووصوله إلى مراحل يصعب التراجع عنها. إنّ هذه الأمراض، في حال إهمالها، لا تكتفي بالتأثير على المفاصل فحسب، بل تمتدّ لتطال أعضاء أخرى، كالقلب والرئتين والكلى، مهدّدةً صحة المريض بشكل عام. لذا، فإنّ الكشف المبكر يفتح نافذة أمل أمام المرضى، إذ يتيح فرصة التدخل العلاجي الفاعل، مما يُبقي التشوهات والإصابات الجهازية في خانة الممكن تفاديه، لا الأمر الواقع المحتوم.

تحديات علاج أمراض المناعة الذاتية: معركة الالتزام والاستمرارية

من أبرز التحديات التي تواجه الأطباء في علاج أمراض المناعة الذاتية هو التزام المريض بالعلاج مدى الحياة، إذ تُصنَّف هذه الأمراض غالبًا ضمن الفئة المزمنة، مما يفرض على المريض الاستمرار في تناول الأدوية لفترات طويلة. لكنّ هذه المسيرة العلاجية ليست سهلة، فكثيرون قد يشعرون بالإحباط أو التراخي، خاصة عند تحسّن الأعراض، ما يدفعهم إلى التوقف عن العلاج دون وعيٍ بعواقب ذلك. لذا، فإنّ التوعية المستمرة ومتابعة المرضى بشكل دوري تُعدّان مفتاح النجاح في السيطرة على هذه الأمراض، وضمان استمرارية العلاج وتفادي الانتكاسات.

دور الطب العام: الجسر الرابط بين المريض والتخصص المناسب

يُعتبر الطب العام خط الدفاع الأول في الكشف المبكر عن الأمراض الروماتيزمية والمناعية الذاتية، إذ إنّ المريض قد لا يدرك طبيعة الأعراض التي يُعاني منها، ولا يعرف أي اختصاص طبي عليه مراجعته. وهنا يبرز دور الطبيب العام، الذي يمتلك المعرفة الأولية بارتباط بعض أمراض الكلى، الرئتين، الأوعية الدموية، وحتى العيون، بأمراض المناعة الذاتية. هذا الفهم الواسع يسهّل عملية تحويل المريض إلى الاختصاصي المناسب في الوقت المناسب، مما يختصر طريق التشخيص والعلاج، ويحول دون تفاقم المرض.

أعراض لا يجب تجاهلها: إشارات تحذيرية تستدعي الانتباه

تبدأ أمراض المفاصل والروماتيزم بأعراض قد تبدو بسيطة في بداياتها، لكنها تحمل في طياتها إنذارًا مبكرًا بضرورة التدخل الطبي. وأهم هذه الأعراض

٠الألم المستمر: الألم المزمن الذي يستمر لأكثر من ستة أسابيع يُعدّ مؤشرًا أساسيًا، إذ إنّ الألم العابر قد يكون نتيجة التهاب فيروسي، مثل الإنفلونزا أو العدوى الفيروسية الأخرى، لكنه لا يستمر لفترات طويلة.

٠التورم والاحمرار: أحيانًا يُصاحب الالتهاب تورم في المفاصل، وقد يكون هذا التورم مصحوبًا بسخونة، أو يظهر دونها.

٠اليَبوسة الصباحية: وهي من أكثر الأعراض دلالة، حيث يجد المريض صعوبة في تحريك المفصل المصاب عند الاستيقاظ، لكن مع مرور الوقت خلال النهار، تتحسن الحركة تدريجيًا.

التعامل مع الحالات المتقدمة: حين يصبح العلاج ضرورة حتمية

في المراحل المتقدمة من الأمراض الروماتيزمية، تُصبح التشوهات غير قابلة للتراجع، وكذلك الأذيات الجهازية. ومع ذلك، يبقى العلاج ضروريًا، ليس فقط لتخفيف الألم والتورم وتحسين جودة الحياة، بل أيضًا لحماية ما تبقّى من المفاصل والأعضاء السليمة. على سبيل المثال، حين تُصاب مريضة بالذئبة الحمامية الجهازية ويبدأ المرض بالتأثير على الكلى، فإنّ الهدف العلاجي لا يكون استعادة ما فُقد، بل الحفاظ على ما تبقّى، ومنع الوصول إلى مراحل خطيرة من الأذية الكلوية.

العوامل المؤثرة: العمر، الجنس، والوراثة

لا توجد قاعدة صارمة تحدد الفئات الأكثر عرضة للإصابة بأمراض المفاصل والروماتيزم، فبعض الأمراض تُصيب الأطفال، وأخرى تُصيب البالغين. كما أن بعض الأمراض أكثر شيوعًا لدى النساء، وأخرى تكثر عند الرجال. إلا أنّ العامل الوراثي يلعب دورًا في زيادة احتمالية الإصابة، إذ إنّ وجود تاريخ عائلي لهذه الأمراض قد يُضاعف الخطر، لكنه لا يعني بالضرورة أن يُصاب الشخص بها.

هل يمكن الشفاء التام؟ أم أنّ السيطرة على المرض هي الهدف؟

الأمراض المناعية الذاتية ليست كغيرها من الأمراض التي يُمكن القضاء عليها تمامًا، فهي دائمة الحضور، وإن كان بمستويات متفاوتة. لذا، فإنّ الهدف الأساسي للعلاج هو السيطرة على الأعراض، ووقف نشاط المرض، لمنع حدوث التشوهات أو المضاعفات الجهازية، والوصول إلى مرحلة هجوع المرض.

العلاقة بين الطبيب والمريض: الثقة أول خطوة في رحلة العلاج

إنّ نجاح العلاج لا يعتمد فقط على الأدوية، بل على العلاقة بين الطبيب والمريض، والتي تُعدّ جزءًا لا يتجزأ من المنظومة العلاجية. فطمأنة المريض، وشرح تفاصيل مرضه بشكل يتناسب مع درجة وعيه، يُساهمان في تعزيز التزامه بالعلاج. كما أن المتابعة الدورية لا تقتصر على تقييم استجابة المريض، بل تمتدّ لمراقبة أي آثار جانبية محتملة للأدوية. فبعض المرضى، حين يدركون أن العلاج دائم، يتوقفون عن المتابعة الطبية، وهذا خطأ قد يُعرّضهم لمضاعفات كان يمكن تفاديها بسهولة.

ختامًا

إنّ أمراض المفاصل والروماتيزم ليست مجرد آلامٍ عابرة، بل معارك يخوضها المرضى يوميًا، تتطلب صبرًا والتزامًا وعناية مستمرة. والتشخيص المبكر، إلى جانب العلاج الفعّال والمتابعة الطبية الدورية، هي الأسلحة التي تضمن لهم حياة أفضل، وتحميهم من تداعيات قد تُلقي بظلالها على صحتهم ومستقبلهم.

الناقد السينمائي شربل الغاوي.

Leave a comment